إشتد البرد و طال الليل…


إشتد البرد و طال الليل، فهل من أسطورة يا جدّة؟

في الليالي التي تجتمع فيها العائلات الأمازيغية، يتحلّق الجميع حول الجدة، مصغين بإنتباه لما ترويه من قصص و غرائب تُبقي الجميع مشدودا إليها، لكثرة أحداثها وعجائب رواياتها، فعندما تعلن الجدة عن بدء الحكاية بالعبارة النمطية: ما حاجيتكم و ما ماجيتكم، غدوا يشفع فينا سيدنا وسيدكم، والسامعين يقولوا آمين، حتى يترك الجميع ما في أيديهم مرددين عبارة آمين، ويتحلقوا حولها لينهلوا من نهر الفلكلور الغزير.

هي صورة تكاد تختفي من بيوتنا، صورة تلك الإجتماعات الحميمة للعائلات حول راوي الحكايات والأساطير، المنطوقة بلغة أمازيغية، ولكنة لموشية سريعة الإيقاع، لكنها تتباطأ هنا تماشيا مع جو الليل الهادئ.

إرتسمت لدى الكثيرين صورة الخرافات الساذجة عن هذه الأساطير و القصص، فهي لا تصلح إلا للأطفال، معتبرينها مضيعة للوقت من وجهة نظرهم، و هنا يكمن عين الخطأ، لأن هذه الحكايات هي المرآة الأكثر نقاءا التي تطلعنا على عقائد، عادات، خيال، وتصورات أجدادنا الأمازيغ – و هنا لا أقصد الأمازيغ بالمعنى اللغوي، بل بالمعنى العرقي، الذين ينحدر منهم سكان الشمال الأفريقي -، وتدلنا بصورة سهلة بسيطة على فلسفتهم في الحياة، بل تصور لنا بأنصع الألوان الروح الملحمية الأصيلة والمتأصلة لإسلافنا، الذين لا نعرف عنهم إلا ما يوصفون به من أنهم فرسان يركبون جيادهم في كل مرة ليسطروا بدمائهم ملاحم من أجل حريتهم، التي طُبِعوا لشغفهم بها بإسم البربر أو البرابرة.

بصورة أخرى أقول: إن تلك الملاحم التي نسمع عن إشارات لها في كتب التاريخ، نجد روحها، تفاصيلها، وأبسط دقائقها في حكايات الجدات الأمازيغيات، اللائي تسردن لنا بصورة مشوقة يوميات أولائك الفرسان المردة، فنراهم لأول مرة في بيوتهم، ومع أولادهم، نعرف طقوسهم، نستشعر أحاسيسهم، حبهم، عطفهم، إخلاصهم، حنانهم، وجميع العواطف الإنسانية القابعة فيهم، والتي كانت تتوارى عن الآخرين تحت الدروع، لأن الصورة النمطية لهم أنهم مقاتلون شرسون، يجوبون البلاد بحثاً عن المعارك و الحروب.

من جانب آخر، تعتبر الأساطير، والقصص القومية فرع قائم بذاته في الأدب و التاريخ، بل حتى في علم الإجتماع، و علم النفس، فتلك الحكايات التي ينظر إليها البعض على أنها مضيعة للوقت، لا تدع مجالا من المجالات إلا و سجلت فيه حظورها عند كل الأمم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حين نسجل غيابها عندنا نحن الشمال أفريقيين، و كأننا حالة متفردة بين شعوب العالم و أجناسه.
فالتراث القصصي والأسطوري الأمازيغي يتسم بالغنى و التنوع، فتجده يعالج كل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان، وأحيانا يمزج بينها في توليفة فريدة رائعة، تنضح بالخيال والعاطفة، وتتنوع مواضيعها فتجدها تعالج الفقر والغنى، الجمال والقبح، الطيبة والخبث، الذكاء والغباء، الصدق والكذب، الإنسان والحيوان، كما تعالج أيضا البعد الآخر الميتافيزيقي من خلال حكايات الغيلان، الجن، الشياطين، الأرواح، الرهابنة، الملائكة، السحر والتعويذات، بل تجدها في بعض الأحيان تناقش عالما من الآلهة، والعوالم العلوية والسفلية.

رغم أن أساطير الآلهة و النشكونية قد إندثر أغلبها بدخول الإسلام إلى بلاد الأمازيغ، إلا أن هذا لم يمنع بعض الأساطير من النجاة بعد أن تمت قولبتها في قالب سلامي، بل إن هناك أساطير تتراءى لنا أحيانا وسط القصص والحكايات، تربطنا بماضي الأمازيغ السحيق، أيام كانوا يؤمنون بوجود أرضين فقط لا سبع أراضي، سمّوا إحداها «همورث ءو ساون» أي الأرض العلوية حيث تشرق الشمس ويعيش البشر، وسمّوا الأخرى «همورث ءو آكسار» أي الأرض السفلية، أو العالم السفلي، و هي أرض مظلمة، خالية، هواؤها مغبر خانق، لا تصلح للعيش، تحيا فيها الشياطين، الجن، الأرواح،»الرهابنة»، و من هذه الأرض صعدت الغيلان ثم عجزوا عن العودة.

من جانب أخر نجد أن من أهم الأساطير التي تناولت موضوع الآلهة، أسطورة «هسليث ءو آنزار» أي عروس آنزار، فلا زالت هذه الأسطورة حية وسط القبائل الأمازيغية في كل شمال أفريقيا، فآنزار هو إله المياه و الأمطار في الميثولوجيا الأمازيغية القديمة، حيث تُحكى هذه الأسطورة عادة في موسم الجفاف، و تصنع دمية تمثل عروس آنزار (تلغنجا) وينطلق الزافون يزفونها لآنزار مرددين أغنية أنقل لكم مقاطع منها كانت إلى وقت قريب تُردّد بإقليم تبسة قبل الهجمة الوهابية:

ay anẓar ay anẓar
attut hametna g udrar
w am usuggas iƐaddan
essezlaneɣd iɣeẓran
ay anẓar ay anẓar
hamurt attay haqqur
att iɛadda fellas yur
aɣenja jar iɣezran
a rabbi neffud aman
وترجمتها:
يا آنزار يا آنزار
فليسقط المطر على الجبل
وكالعام الماضي
فجر لنا الأنهار
يا آنزار يا آنزار
هاهي الأرض قد جفت
و مرّ عليها شهر
المرفع بين الأودية
يا رب نحتاج إلى الماء

وبالطبع كانت هذه الكلمات مستهجنة لأنها إعتُبرت ردّة وكفرا، و لا زلت أتذكر أحد الشيوخ يخاطب أصحاب هذه الطقوس قائلا: آتّ دلكفر آحرور (إنها كُفر صريح ).

كذلك إحتفظت مناطق أخرى من شمال أفريقيا بأسطورة عنتي (انتّي)، وعنتي هو إبن قايا إلهة الأرض، كما أن قصة حمّو آكعوان تظهر فيها شخصيات آلهة تمت قولبتها في قالب إسلامي، لكنها حافظت على بعض خصائصها الألوهية مثل شخصية جيج ن تمورث ( وتد الأرض )، و شخصية بوييشاون ( صاحب القرون )، أما قصة المخبلة في شعورها فهي تخفي في طياتها شخصية أشبه ما تكون بأفروديت اليونانية.

هناك جانب آخر يبرع فيه الخيال الأمازيغي، وهو قصص العالم الآخر، أو قصص الرعب، يتميز الفلكلور الأمازيغي في هذا الجانب بالثراء، فنلاحظ تنوعا كبيرا لمخلوقات العالم الآخر مثل الشياطين التي لا تكون إلا شريرة، الجن الذي يتميزون بقدرات خارقة وذكاء وقّاد، الرهابنة الخبثاء لكنهم أيضا جبناء، يظهرون في صورة رجال طوال، زرق الأعين تتجاوز أذرعهم ركبهم، و أصواتهم شبيهة بأصوات النساء، الغيلان الذين يتغذون على لحوم البشر، الأرواح التي تلحق الضرر بالأحياء و تقتلهم، إيجوهال ( العمالقة )، وغيرها من المخلوقات التي جاد بها الخيال الأمازيغي.

كما تتميز الحكايات والأساطير الأمازيغية بأن لها طقوس خاصة، قولية وفعلية، من قبيل أنها لا تُحكى في النهار إطلاقا، لأن الإعتقاد أن من يجرؤ على ذلك فسيرزق بأطفال صلع كعقاب له، أيضا تبدأ الحكايات بكلمات نمطية مثل: يا سادة يا مادة الله يدلنا ودل المومنين للشهادة، أو قارن زيك يلّا ويشت و إيشت ربي آحلاق. لا تتبدل هذه الكلمات و تتكرر بنمطية راسخة، يعقد مرددوها أن من لا يبدأ بهذه الكلمات لن تطاوعه الحكاية، و لن تخرج من فمه صحيحة، أو قد يحدث الأسوء و يفقد القدرة على الكلام، فهي هنا أشبة بتعويذة تطوع بها الحكاية، و يُتجنب بها ما قد يحدث.

و كما أن هناك كلمات تبدأ بها الحكاية، فهناك كلمات تختم بها، من قبيل: خريفتنا دخلت الغابة، والعام الجاي تجينا الصابة، هذا بالنسبة للحكايات ذات النهاية السعيدة، أما في الحكايات ذات النهاية السيئة فتظهر جملة: أوثلايغ وهسليم، و هقْنم ءو هدجيم. تسمى هذه الجملة هشرليث ن تحكايث، أي مغلاق الحكاية، فحسبهم لابد من ورودها عقب إنتهاء الحكاية، فالحكاية التي لا تُغلق تظهر شخصياتها الشريرة ناشرة الأذى الذي قد يصل لإحراق المحاصيل.

هناك ممارسات تختص بنوع محدد من الحكايات، مثلا في حكايات الرعب يُلقى السانوج عند باب الغرفة لمنع الأرواح الشريرة من الدخول، لأن قصص الخوف تستحظر هذه الأرواح حسب ما يعتقد الأمازيغ، أما إذا كانت الحكاية تنتهي نهاية سعيدة، فإن الراوي يقوم برش كأس من الماء على الزرع أو الماشية كطقس تفاؤلي، حيث يعتقدون أن سعادة الحكاية تحل أخيرا في الماء، و صب الماء على المزروعات أو الماشية يجعل نهاية الموسم سعيدة كنهاية القصة، و مثل هذه الممارسات كثيرة يطول إستقصاؤها كلها لإختلافها بين الأعراش، و إختلاف التفسيرات المقدمة لها.

في النهاية، أردت أن ألفت من خلال هذا المقال البسيط أنظار المختصين إلى كنز يموت في صمت، وتقاليد وممارسات وطقوس قد تكون مفتاحا لفهم الكثير من المسائل، سواء تاريخية أو حتى عقائدية، فأهيب بأهل الإختصاص للمسارعة في إستنقاذ ما تبقى من هذا الإرث، ومحاولة البحث علهم ينجحون في إسترجاع ما إندثر منه، لأنه كنز يُتناقل شفاهة ومن خلال طقوس قد تظهر غامضة، لكنها بعين الخبير تنبئ عن ماض عريق، ومعتقدات قاومت النسيان و التخريب قرونا عديدة.

بقلم : جفّالي نجم الدين

التعليقات

تعليق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *