كنت و صديقي ماشيان تحت قطرات المطر وبين شوارع مظلمة ، لا كائن يجول هنالك غيرنا ، حتى من الكلاب المتشردة فهي مفترشة الأرض و أخذة من السماء غطاء . فجأة و نحن نتبادل الحديث و الضحكات المتقطعة قدمت من أخر الشارع المقابل لنا سيارة مسرعة و رمت بفتاة من بابها الخلفي على الأرض ، فنهضت تشتم و تصرخ و الدم يسيل من فمها ، لتسقط أرضا مرة أخرى . أسرعنا اليها وقمنا بسؤالها ما بك ؟ لكنها لم تستطع الاجابة ، من هؤلاء ؟ لما رموك بكل هذه الهمجية ؟ ما فعلوا بك ؟ لم تجب فأخذناها مستندة على كتفينا وتوجها الى الشارع الرئيسي واستقلنا سيارة أجرة نحو المستشفى . وبعد وصولنا وجدنا هنالك طبيبة وحيدة رفقة ممرضة ، فسألتنا عن قصة الفتاة فروينا لها ما شهدناه ، ولم تتصل بالشرطة فاستغربنا من الأمر لأنه من الواجب عليها فعل ذلك ، لكننا لم نسألها . ثم دخلت على الفتاة وقامت باسعافها وهي تذرف دموعا وقائمة بأكثر من واجبها فلقد رأيناها من زجاج غرفة الاسعافات وهي تواسي الفتاة . بعد خروجها سارع صديقي اليها وبدأ يسألها : ما قصة الفتاة ؟ ولما تقومين بكل هذا ؟ ولما لم تتصلي بالشرطة ؟ فقالت و الدمع يسيل من عينيها الممتلئتين شفقة و ألم ، انها فتاة تمتهن الدعارة وأولئك من فعلوا بها هذا لم يوفوها أجرها لذلك تخلصوا منها بتلك الطريقة ، اندهش صديقي لكني لم أفعل فقد كنت متوقعا وراسما القصة بذهني ، فقالت أيضا لم أتصل بالشرطة لأته بعد علمهم بالحقيقة سيحتجزونها . قلت لها شكرا لك ، لكن غالبية المجتمع لا يرحك مثل هكذا فتيات ما قصتك ؟

فأجابت و رأسها منحني نحو الأرض ، ” ولدت بالأرياف من أسرة شديدة الفقر ، لم يكن يعيلنا غير والدي والذي بعد حلولي سن السادسة عشر توفي تاركا والدتي المريضة بداء السكري وطفلين صغيرين لم يتجاوزوا سن الرابعة ، وأنا . لاعائلة لنا كي تساعدنا على محنة الدهر و لا ارث لنا يعيلنا و لو لأيام معدودة . ولازلت أتذكر كيف قالت لي والدتي سأقاوم و أحاول العمل لأوفر لك يا حبيبتي ولاخوتك الصغار قوت أيامكم ومالا لتكملين دراستك لأن ذلك هو الحلك الذي كان يحلم بك والدك .فعلت رغم كبر سنها ومرضها ، فقد انتقلنا للمدينة لتشتغل كمنظفة ببعض العمارات مقابل دراهم قليلة . استطعت أن أحصل على شهادة الباكالوريا بتقييم جيد . لكنكم أدرى بحال التوظيف بموطننا ، فلم أجد عملا وتحطم الحلم الذي كان يراودني أنني سأعمل وأعيل والدتي واخوتي و أعالجها .
في صباح يوم الأحد استيقظت على بكاء ونواح والدتي ، ( يارباه ما هذا ، حرارتها جد مرتفعة ) أخذتها وبدأت أجول من مستشفى حكومي لأخر . لم أجد ولا طبيب واحد بالخدمة لأن اليوم يوم عطلة ، ولم أستطع الذهاب لمستشفى خاص لانعدام وجود مال بجيبي .
توفيت والدتي ، غادرت الدنيا و السبب هو الفقر ، والسبب هو الفقر ، والسبب هو الفقر اللعين . أقسمت بعدها أن أعمل وأوفر مصروف البيت ومصروفا لاخوتي الصغار ليدرسوا وأكمل دراستي بكلية الطب .

امتهنا الدعارة من أجل اخوتي ، من أجل العيش . أرافق شابا غنيا لقضاء ليلة حمراء و العالم ينظر الي على أنني سعيدة بما أفعل ويحسبونني كلبة مال ، أعذرهم حقا لأنهم لم يعيشوا ما عشت ولم يمروا بما مررت به … تحقق نصف حلمي استطعت حياة هنيئة لاخوتي الصغار وحياة لا أجد كلمات تصفها لي . وأخيرا أخذت شهادتي وأصبحت طبيبة ، واشتغلت بالقطاع الحكومي ، وأقسمت أن أعمل بأيام العطل و بالليل أيضا ، كي لا يعاني أحد أخر مثلما عانيت ، نعم كنت عاهرة لكنني شريفة لأن ظروفي هي الدافعة والأن أخدم لرسالة نبيلة ، وبعد رؤيتي لهذه الفتاة وعلمت القصة الحقيقية لها والتي توقعتها مسبقا قدرت ظروفها “

انصرفت الطبيبة ورأسها مرفوع فخورة بما فعلت ، وتركت رأسينا مذلولين وعينيا تدمعان .

القصة تحكي معاناة تلك الشريفة الممتهنة للدعارة والتي تصفها أنت بأقبح الأوصاف و المجتمع ينبذها ، سميت المقال بالعهر الشريف وأعي ما أقول ، لا أشجع على الدعارة أبدا ، لكني أريد الاصلاح الجذري ، علينا بمحاربة الاسباب المؤدية لذلك العهر لا من يمارسه لأن الممارس بدوره ضحية اما للمجتمع أو للسلطة .

تريدون القضاء على الدعارة ؟ اليكم الحل الوحيد ، وهو اصلاح قطاعي التعليم و الصحة ، وفروا العيش الكريم و الهنيء ، عندها لن تتوجه تلك الفتاة لتمتهنها من أجل تحقيق السعادة الظاهرية .
لكل ظاهرة اجتماعية سلبية – أسباب سياسية.

ياسر التجيني – كتب بتاريخ 28-01-2017

التعليقات

تعليق

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here