آزول غفون :
السلام عيكم :

ولدت بربرياً رغم أنفي ، اسمي المسموح به بشهادة ميلادٍ رسميةٍ و رقمٍ في سجل مدينة طرابلس المدني ( حبيل ) ، لا أحد سواي يعلم أن اسمي يرد ( كما يقول جاري الذي يشاطرني ضحكاتي بلغتي التي لا يفهمها حتى آخر الزقاق سوانا ) بصفة المقتول صاحب القربان في نصوص الأديان ، مع اختلاف مخارج الحروف لا غير ، و لا يمكن أن ألوم أحداً على سوء طالعي الذي جعلني أحمل اسماً يدل من على بعد أميال ، عبر كل ( مرابيع ) طرابلس ، أني ممن نجوا أثناء انقراض كائننا الليبي العزيز على امتداد الأربعين قرناً ، إذ يقال أنه من حسن طالع الحوت سقوطك في عرض المحيط ، و يقال أيضاً أنه من سوء طالعك أن يتم اصطياده ، إذ أن نجاتك ستعتمد حينها فقط على مصادفةٍ محض ، و المحيط هنا كان وطناً مُستَلَباً ، و كان جارك هو الحوت الذي تخشى الضحك أمامه بتلك اللغة التي لم يعد يفهمها ، و لا يريد أن يفعل !! ؟ ، لا يمكن للجميع فهم الصدفة ، و لا يمكن أيضاً توقّعها .

لا يوجد شيءٌ أسوأ من سوء النيّة ، لذلك سأحكي لكم قصتّي وفق حسن نيّتي ، متوقعاً لا منتظراً منكم المثل ، قصتي التي تبدأ قبل ثلاثة آلاف عام ، أو لربما قبلها بعشرة آلاف عام أخرى لكن ذاكرتي لا تسعفني لأتذكر ، عندما كنت أسير عارياً أبحث عن كهفٍ ، زوجةٍ و ظبيٍ أحمله فوق كتفي على الطول الساحل بحثاً عن أخٍ أتشاجر و إيّاه دونما مبرّر ، أو غريبٍ أمنحه زوجتي و الظبي أيضاً في حال رغب به ، كنت ليبياً حينها و حاولت أن أكون ليبياً منذ أقدم العصور حتى قدم ( الفينيقيّون ) يحملون سلالاً فارغةً كان علي ملأها بكل شيء ، و في المقابل كان علي أن أنسى لمدةٍ قصيرةٍ تتجاوز المائة عامٍ أني ليبي ، لأسير مسافة 250 ميلاً في اتجاه الجنوب بأمر التاجر نحو غدامس وصولاً الى نهر النيجر أحمل بضاعةً لا املكها ، لأرجع بالذهب والفضة التي لن استطيع أن أملكها ، و رغم كوني سيد المكان ، إلا أني كنت سيداً حافي القدمين حينها .

التقيت ( بهيرودوث ) مراتٍ عديدة ، و كلما توجّهت بالحديث إليه كان يتجاهلني مفضلاً كتابة ما يتناقل جيراني عنّي ، فلقد كنت فقط استطيع إنجاب الأطفال ، و كان موت الجميع يكلّف الكثير ، بينما كان موتي أمراً رخيصاً لا يكلّف سوى أن أتكلم بلغةٍ يفهمها عبيدي ، و أضحك بلغتي التي يفهمها فقط أبنائي ، فبنى ( باتوس ) الأول ( قورينا ) ليحتلها المهاجرون من جنوب اليونان ، ليموت ( ابريس ) حليفنا الفرعوني ، و من حينها و أنا سيّدٌ فوق أرضي لكني لا أزال حافي القدمين ، أسير بخطوات من يقررون الشجار داخل بيتي ، فكان أن تشاجر( يوجريتس ) و ( فيلومتر ) قرب نافذة هذا البيت ، ليأتي شخصٌ آخر ليسير بخطوات السيد حافي القدمين ، فعيّن مجلس الرومان قائداً لا أعرفه اسمه ( مرسيلينوس ) ، لأنضم طوعاً في خضم الحرب الأهلية الرومانيّة تحت أمرة أتباع ( بومبي ) ، رغم كون لا طائل لي من هذه الحرب ، حصل هذا عندما كنت أسكن ( قورينا ) و ما جاورها وصولاً الى لبتس مضطراً لدفع الضرائب لكل جيراني ، فحتى ذلك الحين كنت ليبياً أضحك بلغتي التي لم يعد يفهمها سوى أبنائي .

و عبر طريق الحرب ، أصبحت رومانيّاً بعد أن كنت بدأت في تعلم الفينيقيّة ، قلت حينها لا بأس فلقد كنت نوميدياً لفترةٍ تمكنّت خلالها من ارتداء حذاءٍ يملكه أخي ، و كان ( سيفاكس ) هو سعر الحذاء الذي ناله ( ماسينيسا ) ، و وجدت جواري ( بوخوس ) حافياً رغم كونه قد باع ( يوكًرتان ) ، هذا الذي وضعت روما بدلاً عنه صنيعتها شقيقه ( جوادا ) كسيّدٍ حافي القدمين أيضاً ، لا بأس فلقد تعودت على حمل أسماء الآخرين بدل اسمي ، و تعوّدت أيضاً على التشاجر مع الجميع لأجل أشياء لا تخصّني .

كل هذا و أنا أسير وحيداً عبر الساحل من غرب الجزائر وصولاً سرت التي أسميتها كذلك كما فعلت بكل بقعةٍ ليبيّة وطأت ، أحياناً نسبة الى المكان نفسه ، و أحايين كثيرة نسبةً الى شيء قمت به طوعاً ، إذ كنت حين تسميتي لها أضحك و أتكلم بذات اللغة ، و كنت لا أزال أملك أخوةً و لا أزال لا أملك الحذاء أيضاً ، قبل أن اضطر الى الرحيل الى الصحراء بأمرٍ من روما ، و أطلت البقاء هنالك ، حتى رأيت ابني ( سيبتيموس ) يسير بحذاء ليس له ، كسيّدٍ على أرضٍ ليست له ، كما فعل قبله بقرونٍ قصيرة الأمد ( شيشنق ) فرعوننا العادل الذي لم نره إلا قليلاً عبر أوراق البردي المصرية ، ليرتدي ابنه الماجن ( كركلا ) حذائه و يخلعه بسرعة ، هنا وجدت أن لا بد لي من أن اسأل السماء كعادتي دائماً أنا الذي لم أزل أعيش على الفطرة ، فأجابني ( ؤغوستين ) بأنه سيفض النزاع بين الكنيستين ( الكاثوليكيّة ) و ( الدوناتيّة ) ، و بقيت أنتظر حتى أتى ( الوندال ) ( الأريوسيّون ) ليزداد الطين بلّه ، لأجد نفسي ( دوناتستياً ) أقتل ( الكاثوليك ) و أنكل بهم ، رغم كوننا كلانا حفاةُ لا نزال نسيرٌ عبر أرضٍ مليئةٍ بالمسامير نحو حتفنا ، هنا أصبحنا أمواتاً ، عراةً حفاةً أيضاً هذه المرّة ، فلد ترك لنا ( الوندال ) في حدود القرن الخامس أرضاً منهكةً بعد أن قضينا على بقاياهم .

انتظرت حتى جلب لنا ( بن العاص ) حذاءً ارتديناه عن طيب خاطر، و لن أخبركم كم ديناراً أساوي معفياً من الضرائب طبعاً ، في سوقٍ اشتريت فيها قدمي الحافيتين منه عندما أمرني أن أبيعه زوجتي و ابنتي كجزيةٍ لا يستحقها بالتأكيد و لا مبرر لها طبعاً إلا وفق منطقه الذي يخلو من كلّ المنطق ، لنكتشف في نهاية المطاف أن ( بن عفان ) من وشى بصديقنا ( ابن دينار ) كان يسير بنا عبر هذا الحذاء هو أيضاً كمن سبقه نحو حتفنا ، فأثناء تحولنا السريع من أباضية ، شيعة ، مالكيّة بل الى كل الطوائف المسلمة الممكنة و نحن نسير منهكين خلف أي حذاءٍ ممكنٍ ، و كان أن أتى عبر هذه الرحلة كل درويشٍ أمكنه عبور النيل لننصبه زعيماً يحدثنا باسم الله أن الله سن سنّة ( الموالي ) ، حتى أننا أسعفنا ( الداخل ) الهارب بحذائه فقط بدولةٍ أمويّة في الأندلس التي فتحها ابننا المشكوك في أمره ( طارق ) ، إذ لم يسبق لي أن عرفت هذا الاسم إلا بعد قدوم جيش ( معاوية ) الإقطاعي بمائة عامٍ و عام ، ذلك الذي تم صرفه عن الخدمة نظراً لسوء السلوك ربما !! ، إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لك هو أن تقع ضحيّة تصديق أكذوبةٍ غير ممكنة التصديق ، لا يمكنك ابتلاعها رغم غبائك المفرط ، إذ لم أزل حتى الآن أتمكن من الضحك بلغتي التي بدأ يخشى ابني فهمها ، لا خوفاً من سماجة النكتة ، بل خوفاً من الله ، ولا أعرف كيف ، لماذا أو متى أصبحت لغتي لغة الجحيم على الأرض لا في السماء فقط !! .

بعدها بقرونٍ منهكة لا طائل من الحديث عنها ، أتى ( عبد الناصر ) يحمل بين يديه ورقاتٍ من كتابٍ لم يكتبه هو ، بل وجده ضمن تركة ( معاوية ) يحوي بشرى مفادها أني سأتوقف عن الضحك بلغتي ، يجب أن أتوقف عن كل شيء حتى إشعارٍ آخر ، فحذائي الذي ضاع في صخب النزاع بين ( فرسان يوحنا القديس ) و ( درغوت باشا ) ، هذا الذي نشرت سفنه بقيادة أبنائي الرعب في قلب كل من يطل برأسه على المتوسط ، حذائي الذي ضاع وسط جلبة الصراع بين الأمم ، الأديان و الشعوب المتناحرة داخل بيتي لم يعد يلائمني ، أو لعلي هكذا فهمت و أنا أحاول منهكاً فهم ما الذي يقوله لي ( عفلق ) عن هذا الحذاء ، و هذه الضحكات التي لم تعد أيضاً تلائمني ، أو تلاءم أحداً من آل بيتي ، حتى طفلي الذي لم يبلغ من العمر سنواته الألف ، لا زال يلعنني رغم امتناعي عن الضحك منذ قرون لأني أسميته ( سيفاو )، هذا الاسم الذي لم يجد بعد طريقاً و لو كانت محفوفةً بالمخاطر نحو سجلّنا المدني ، فنحن لم نزل نمارس نفس الخطأ لأجيال متلاحقة ، لم نزل نخشى الحديث بصوتٍ مسموعٍ بلغتنا ، لم نزل نخجل من الضحك أمام من لا يكترث بنا ، إذ أن ضحكاتنا كانت تصوراً ساذجاً مبنياً عل حسن النيّة كوننا أسياداً في أرضٍ لا تحوي عبيداً حفاةً سوانا !!

صلاح نقاب

التعليقات

تعليق

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here