بين وحش المسؤولية و ارادة التغيير


يقول برنارد شو أن التقدم لا يمكن تحقيقه إلا بالتغيير و أن لم تغير من أفكارك فلن تستطيع تغيير أي شيء على الإطلاق. هذه الجملة تحوي بين طياتها سر القدر، تلك الفكرة الغامضة التي نسبها الكثيرون إلى الألهة و مشيئتها و ألقو عليها عبء كل اختياراتهم الجيد منها و السيء.

لأن الإنسان طالما خاف المسؤولية التي تزداد بازدياد وعيه في هذا الكون فيكون الثمن الباهض لذلك الوعي هو الخوف و تكون خطة الإنسان العادي في مواجهة ذلك الخوف، ككل استراتيجياته في الحالات المشابهة، اختلاق الأساطير و الخرافات. و لذلك قرر أن يختلق خرافة القدر لكي يجنب نفسه عناء الاختيار و تحمل مسؤولية اختياراته و يختبيء من حقيقة كونه الإله الوحيد الذي يخط قدره و يكتب مصيره بقراراته و اختياراته.

فالتاريخ البشري من مدينة أثينا و إعدام سقراط إلى البابليين و غزواتهم إلى الطب الفرعوني كلها كانت نتائج لقرارات بشرية ، قرارات أفراد مثلك و مثلي وجدوا في مكان آخر و زمان آخر و كتبوا مصير كل العالم من بعدهم. حتى و لو كنا نرى أغلب قراراتهم غبية أو كارثية في بعض الأحيان إلا أن هذا يثبت حقيقة قدرة الإنسان على كتابة التاريخ و تركك مع ذلك السؤال المزعج ‘’ ماذا لو ؟ ‘’. و لطالما كانت معضلة الإنسان الندم، و لكن هل الندم جراء فعل اقترفته أسوأ من الندم على قرار لم تتخذه و فكرة لم تتحقق؟ هل نندم لو رفضنا تحقيق التغيير الذي نرجوه و تصحيح المستقبل كما نتصوره لا كما تجرنا الأحداث المأساوية له ؟؟ و أعتقد أن هذا السؤال مفروغ منه لذلك سنعود إلى خرافة القدر التي أزاحت عن الإنسان عبء الندم و لكنها أزاحت عنه ألماً أعظم و أشد وطأة ألا و هو الخوف.
.
هذه الخلاصة تسدل الستار على الكثير من التساؤلات و أهمها هو مجابهة الإنسان للتغيير بالرفض الشديد أو الإحباط ذلك رغم حتمية التغيير لضرورة التقدم أن لم يكن لحاجة الإستمرار، إلا أنه في اللاوعي يخشى ذلك الوحش الفولاذي الذي يسمى مسؤولية. هذا الخوف يمثل أساس الجواب عن التساؤل القاتل أمام التناقض البشري بين رفض الواقع المر و التشبث بنفس الأفكار التي قادته الى ذلك الواقع و هنا نجد الحد الفاصل بين الإنسان العادي الجبان الذي يلعب دور المتفرج في مسرح الحياة و بين الفاعل و الكاتب و بطل المسرحية، نعم هي هكذا هذه الحياة مسرحية تراجيدية بنهاية هزلية لا تنتهي الا عندما ينتقل الكل إلى مقاعد المتفرجين. عندها سادتي تنتهي الحياة و التاريخ و يطغو العدم على شبح الوجود، هكذا ينتصر وحش الخوف على إرادة التغيير و تصبح كتب التاريخ روايات أشباح لا وجود لها
.
فعندما ينتهي التغيير و تطفئ شعلة تلك الإرادة ينتهي التاريخ في مشهد التقدم إلى الحضيض و سقوط كل مباديء الإنسانية و إنجازات البشرية و أحلام جنسنا الإنسي في تواصل استمراره على هذا الكوكب الأزرق…و تشتعل نار الهزيمة عندما تتآكل الحضارة و معها كل صفات ذلك الإله القابع داخلنا…إله ينتظر أن نطلق سراحه من قفص المخاوف البدائية إلى حرية الإرادة الكاملة. لذلك لا تلومونا إن أردنا التغيير و سعينا إليه بكل ما أوتينا من عقل ، فلا أحد منا يريد أن يشهد نهاية التاريخ و لا أحد منا يحبذ سماع ذلك الصوت البشع عندما ترتطم الإنسانية بقاع الوجود..لا أحد منا لديه الشجاعة أن يخاطر بمستقبل البشرية بأن يبقى مكتوف الأيدي، و من يرد أن يكون من المتفرجين فليقبع هنالك في ذلك الركن المظلم من التاريخ.

و ها أنا قد أفصحت عن إرادتنا في مستقبل شبه مثالي يحلم فيه أبناؤنا بجعله مثالياً و هذه الإرادة لن تنبت إلا بعد مواجهة أكبر مخاوف كل البشر و هي مواجهة أفكارنا الخاصة فالتغيير و الثورة الفكرية لا تعنى تقديم افكار مقدسة أو منزلة بل تعني العكس تماماً و هو تحرير كل الأفكار و إخراجها من تحت قبة القداسة لنفحصها تحت نور الشمس و نختار ما يصلح بنا و بمستقبلنا.

بقلم : نضال شوشان

التعليقات

تعليق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *