في البدأ يجب الإشارة بأنه لكل واقعة تاريخية أكثر من رواية، فالأحداث والحوادث التي أنطلقت وحصلت بعد السابع عشر من فبراير 2011 يراها كل متابع ومشارك وفق ظروفه ومصالحه وأحلامه! فهي ثورة مباركة عند الإسلاميين وحصان طروادة عند مؤيدي النظام السابق وثورة مخطوفة عند مؤيدي عملية الكرامة وثورة منتصرة عند مؤيدي عملية البنيان المرصوص.

في شتاء ما يعرف بسنة الثورة أو النكبة! قام مجموعة من الليبيين بالخروج إلى الشوارع ورغم إختلاف المطالب ولكن كان التغيير ضرورة لا بد منها، وسرعان ما تحولت الهتافات إلى أصوات الرصاص، ودخلت الأحداث معترك السياسة وانقسم الليبيون وفق ولائهم الخارجي وأحقادهم الداخلية. في ضل تلك السنوات الست قام الليبيون بزراعة ثقافة الغالب والمغلوب، ثقافة الإنتقام والثأر.

حافظ الليبيبون على الكثير من “مكتسبات” وعادات وتقاليد النظام السابق، فأستمر الفساد الإداري والمالي، ووصلت مستويات القبلية والجهوية إلى مستويات لم تعرفها ليبيا إلا في مرحلة ما قبل القرن العشرين. وتلاشت مع الأيام تلك الأحلام والمشاعر التي اعتقد فيها الكثير من الليبيين أن عصر الحرية والحقوق قد ولِد بعد ولادة عسيرة! واستيفظ الليبيون على الاف حالات الخطف والإغتيال والتعذيب والتهجير والسرقة والتهديد. وبدأ كل حزب يغني ويصرخ ويبكي على ليلاه، وتحول الليبيون الخضر إلى مخططين وبعدها اتفق الجميع على تصنيف جديد وهو الجرذان والطحالب، ثم ظهر نوعان جديدان على وهما الدواعش أو البراهمة (لا تهم الفروق العقائدية والإنتماءات السياسية) وعيت الكرامة.

الجرذان هم من تخلوا على النظام السابق خوفاً على مصالحهم أو خيانة أو لإيمانهم بضرورة القفز من السفينة المنقوبة، والطحالب هم من تكاثروا وعاشوا على زوايا النظام السابق مستغلين الأجواء الطبيعية الملائمة، اما الدواعش فهو شعار طويل عريض قد يضيف إليه البعض صفة الخوارج أو كلاب النار، والحقيقة كل طرف يتهم الأخر بأنه من الدواعش وكلهم يكبرون ويستخدمون نفس المصادر من الكتاب والسنة، ولكن تختلف مصادر الدعم المادي والروحي، اما عيت الكرامة فهي أجدد مولود على العائلة الليبية وقد ازديد في 2014 في الشرق للتقليل أو القضاء على سيطرة بعض المناطق والأحزاب والتوجهات الدينية! وظهر رجلاً من الزمن الغابر ممن يحلمون بصواريخ عبد الناصر الكرتونية حتى يدافع عن كرامة أهل البلاد من الإرهاب (على مقاسمه) وتغيرت رقعة اللعب، وسقط بعض البيادق ووصله بعضها إلى نهاية الرقعة وتم إستبدالها.

بعد ست مواسم من الحصاد كان الليبيون يجدون بأن محصولهم لا يتعدى الشوك و”الرشاد” والكثير من الفراغ والكلام والألغام، ورغم أنهم يستخدمون أجود أنواع النفط وأرخص أنواع الدم ولكن هذه الأرض مازال محصولها لا يشبع الثوار والأوغاد ونسور الجيفة. بل إن الكثير من المزارعين الذين يحملون بذورهم منذ مئة عام انهمرت من اعينهم المتجعدة والفتية دموع حارة تبخرت في الهواء وهم يقدمون لهذا الوطن ظهورهم بعد أن ذهبت بذورهم مع الريح والذي حاولوا زراعته فقد قامت أقدام الفيلة بافسداه والبقية اكله الدجاج والغربان، وحتى البذور التي احضتنها هذه الأرض ماتت في البرد والجوع لأنها بور تلفظ الحياة ولا تنفع إلا جحوراً للتعابين والعقارب وبعض الثعالب الليلية التي تعيش على خداع الراعي وسرقة البيض والغدر بالغزلان.

كان الليبيون يحلمون عند رؤيتهم لكل سحابة بأنها تحمل أمطار الخير وستغسل القذارة والغبار على جسد هذه الأرض، ولكن الكثير من تلك السحابات كانوا علامات لعواصف تقتلع الأشجار وجذورها! والكثير منها خيالات، فسراب الصحراء تسرّب إلى السماء والساحل والجبال والسهول، إن هذه الأرض التي تتصارع فوقها القبائل منذ فجر التاريخ وصولاً إلى ظلمة الجغرافيا هي التي قال هيرودوت بأنها خرجت نحو الصحاري حتى تنتقم من رياح القبلي التي افسدت أراضيهم في الشمال، إنها نفس القبائل التي اقسمت بالطلاق أنها تستطيع إعادة كليوبترا للحياة بعد موتها من السم لأن جدهم الأول كان ثعباناً. وهي نفسها اليوم تقتسم الشرعية الثورية والدينية والوطنية والقومية وفق أشجار الأنساب وتحالفات القرن التاسع عشر وكم مات من أبنائها في الحروب وكم يساوي دم أبنائها بالوزارات والسفارات والمطارت والحقول والترقيات.

إن الشرعية الثورية تحتكر الحرية والشرف وترى كل من لم يشاركها السلاح والأفراح والجرائم عدو محتمل يجب محاربته لحماية “مكتسبات الثورة” الأبدية التي يخطيء أبنائها ولكنها لا تخطيء، هذه الشرعية تقفز فوق الكفاءات والحقوق والتفاهمات السياسية وغيرها! اما الشرعية الدينية فهي الخط الأحمر الذي يخافه الحاكم العسكري ورجال الغرب والشرق على حد سواء، إن الشرعية الدينية يتقاتل عليها الأنصار والتنظيمات والإخوان والأخوات، ولكنها لا تتهم بالخيانة العظمى بل بالكفر الأكبر، إذا الشرعية الثورية تمارس الديكتاتورية فالشرعية الدينية تمارس الإرهاب، وهي قصة موسى والحاج موسى! اما عيت الكرامة والتي تحاول أن تحتكر الشرعية الوطنية أو القومية فهي تتهم الأخرين بالخيانة والكفر على حد سواء، لأنها مخلوق غريب، نتج عن تزواج بعض الطحالب مع بعض الجرذان بمباركة بعض الدواعش تحت حماية بعض القبائل التي تسري قوافلها على الرياح التي توعدتها قبل الف الف عام يقودها أحد يتامى جمال عبد الناصر ممن ضاعوا بين التشاد وفرجينيا منذ ثلاثين عام.

إن المواسم الست للمدن “المتملّحة” لا يمكن أن يثير الفرح والبهجة إلا في عقول المهلوسين والمفلسين، الذين يضحكون بصوت عالي أعينهم شاخصة وافواهم فارغة “يعيطّون” بأنهم سيحتفلون إلى الأبد على شرف الأموات أو الشهداء الذين قدموا أرواحهم حتى تصبح اليوم ليبيا دولة بلا سيولة مصرفية بلا رواتب تنقطع فيها الماء والإنترنت والكهرباء والطرق والأرزاق! إن الشعوب تقدم باقات الورد والأناشيد لرجالها ونسائها المخلصين في ساحات الحضارة والمدنية، ولكن عندما يحتفل الإنسان بخراب “حوشه” ويجر الأموات والأحياء إلى مأسيه ومهازله حينها فقط يمكن أن نرى الفراغ وأن نلمسه برؤوس اصابعنا.

التعليقات

تعليق

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here