حكاية الرجل الذي مر من هنا


إن الدعوة إلى التغيير كانت ومازالت أقدم دعوة يحملها الإنسان لأخيه، ولكن دعوة تغيير شمال إفريقيا فهي أنبل خدمة يقدمها الإنسان لتحرير المادي واللامادي من حراس المعابد القديمة والقيود الثقيلة.

كان هناك خيال (إفري) يسكن هذه الجبال، مسته الأرض يوماً وزرعت فيه أرواح الأجداد والفرسان وكل دروس الماضي وتنبؤات المستقبل وقد نفخت في روحه الحلم المشترك والعقل الجمعي ووضعت في عقله بذور الوطنية الأولى واحرقت كل الأوهام!

إفري اعلنته الأرض نبيا ينطق الغد المغاير ويحمل رسائل (تيبراتين) الحرية التي اقسمت بدماء كل الحروب أن تهدم الأصنام مهما كانت كبيرة ومزخرفة! فهي مازالت في نظر الإنسانية المقدسة أصنام بلا روح.

المبربرون، يسكنون السواحل والجبال والصحاري، تعودوا عبر تاريخهم استقبال الغزاة وتبني دياناتهم ومحاربتهم فيما بعد. كل التصرفات الساذجة الحقت بهم الهزائم والخسائر الفادحة ثقافياً ولغوياً. منذ زمن وهم محكومون بالشرق والغرب، يحكمهم إله شرقي وإنسان غربي. تحولوا إلى مسوخ بلا هوية، فونيون يتكلمون كل اللغات إلا لغتهم، يؤمنون بكل الألهة والكتب المقدسة إلا ذواتهم وما ينُتج عقلهم، يعيشون في ضنك رغم وفرة البلاد بكل الموارد. يعيشون بلا أهداف، بلا مباديء، بلا وطن، بلا هوية، بلا كرامة،يربطون وجودهم بأسيادهم الخرب في عواصم الخلافة والموالي (مخصيوا الخرب) وهي فئة ارستقراطية تستمني على عقول البسطاء بخرافة الدم المقدس والشجرة الشريفة ولغة أهل العالم الأخر!

المجوفون يبيعون ربهم القاسي إذا اكتشفوا بأن هناك رب اخر سيقدم لهم جناناً أفضل أو نفاق أعمق. يعيشون في شمال انتيكيا ولكنهم يدافعون عن شبه الجزيرة الصحراوية، يتمرغون في الإحتلال المادي والمعنوي بكل رضى وسعادة القوادين والعاهرات بلا شرف. المرأة عندهم شيطان يجب تغليفه بالأقمشة السوادء ورميه في احضان السيد الكريشي (خليفة الرب المستورد)

في خضم هذه الدوامة السيزيفية، هناك أقلية صغيرة تدعى الأمازيغ، يملكون عقول إنسانية ولغة محلية،، مازالوا يحملون روح هذه الأرض وثقافتها المحبة للحرية والحب والجمال.

ينتمي سيفاو لهؤلاء، يعيشون في خوف بين المبربرون الذين يحافظون نسبياً على لسانهم ولكن بدون أي معنى! يحافظون عليه بمحض الصدفة أو بسبب بعدهم عن المراكز السياسية والإقتصادية.

لم يحمل سيفاو كتاباً يملئه بالقوانين يحرم ويحلل حسب أهواء الأخرين، لم يحشوه بـِ الأساطير والقصص المروية فقد وضع أسس الحرية واحدة

صادقة لا تحتاج للتفسير والكهنة والسفسطائيين: الأرض، الإنسان، اللغة:

ثلاث كلمات تختصر تاريخ الفلسفة والديانات، هكذا قالت له تانّيت* قبل مغادرتها ما نسجت من سجّاد* وحذرته من خدعة هرقل* وبأن يجعل (تّلغنجا) تتزين لـِ (تاسليت ن ونژار) عروساً تبكي فرحاً وصول الأنهار وإزهرار الوديان بـِ (امون) يغسل وجه (اشال) يبشر بالبراعم التي حفظنا بذورها في صدورنا منذ الف الف عام مؤمنين بأن اليوم سيأتي لأنه لابد أن يأتي، ولا خوف من الموت فموتنا رسالة.

انطلق من أرض خريبيا العظمى حيث يقطن أحفاد «إذا خُرّبت خربت» وكان يحمل ورقة صغيرة مكتوب فيها رسالته. يخبئ في جرة صغيرة (اضو) امسكه وهو يصفّر في تيزي وزّو و (ؤراو) من تراب تاسّيلي ن ازگر و(شارا) من ملح تيبودا وغصن ارگان من سوس وحبة (ازمّور) ن تونس.

عندما وصل رأى الغربان والنسور في افق السماء، واشتم رائحة الغبار وسمع صوت الغوغاء! الضجة كانت لغتهم مع لهجة ركيكة خالية من أي جمال يألفه، كانت مليئة بالخشونة والنشاز. اقترب من احد معابدهم الشرقية وعندما دخل وجد مكانا عالي يصرخ منه رجل بلحية بيضاء وبلغة يعلم بأنها ليست لغة هذه الأرض! جلس وبدأ يستمع له وهو يحكي على رجال لا يعرفهم، وقصص لم يصله مغزاها حول رجال حاربت مع الملائكة وشاهدوا انشقاق القمر والعالم الأخر، ولكنه لم يقلل من هذه الأساطير واستمر في جلوسه حتى النهاية.

طلب سيفاو بأن يلقي كلمة قصيرة على الجالسين! فنظر له الجميع بإستغراب وعدوانية ويدور في عقلهم ذلك السؤال « من أنت؟» وكأن الحق بالكلام يقتصر على ذلك الرجل، ولكن سيفاو بسماحة اخلاقه قال لهم بأنه سيقول جملة واحدة وسيرحل، فوافقوا على مضض، صعد فوق تلك الخشبة الأنيقة ونظر في عيون الغرباء وقال: أمّنا الأرض تشكوا أبنائها وتوصيكم بتدارك الزمن الضائع، إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها , وإن كانت مسالكها صعبة متحدرة، إنها تغربلكم لكي تحرركم من قشوركم . فأنطلقت الضحكات من الجالسين يتدحرجون كالخنازير تحت تلك القبة المليئة بالطلاسم، نزل سيفاو ووجهه يتصبب عرقاً مصدوماً يبحث عن حذائه الأحذية القذرة، ثم نظر خلسة إلى جرته فوجدها قد تشققت وغادرتها رياح البحري وسكنتها رياح القبلي…

عند خروج سيفاو من بلاد خريبيا، وجد نفسه في بلاد تفريكا، يسكنها بنو عمومتهم، وصل حافياً ولكن مؤمناً بأنه سيجد الأحرار، وصل إلى قلب المدينة ووجد الجميع يسير بصورة غريبة، كانوا يسيرون ولكن للخلف! كل شيء كان معكوس، لم يقدر أن يلقي كلمة بينهم، رأى رجلا ملقى على الأرض متخن بالجراح، لم يحدد هل دمائه تنزف أم تعود إليه؟! فأخد القليل من الملح ونثره وقال : قد يزيل هذا الملح الطاهر هذا المس، ويعود الزمن الحاضر يصنع المستقبل، سأزرع حبة الزيتون هنا حتى تكبر وتكسر هذه اللعنة. رحل سيفاو مكملاً مسيرة البحث عن الإنسان..

انطلق نحو بلاد كوميديا الواسعة لعله يجد صدى لندائه الخالد، عندما وصل وجد الجميع يحمل حقائبه على ظهره ويهدرون لغة غير تلك التي سمعها في المعبد، كانت مائعة سريعة! كانت وجوه الناس مرسومة بالغضب أو اليأس والصمت الغريب، تخيل وكأن الشوارع قبور مفتوحة على شُرفة الرب. في مسيرته لاحظ عربة كبيرة محملة بالعفش والأطفال تشخص عيونهم من وراء الزجاج الحامي، وقف أمام الباب وطلب المسافرين أن يعطوه بعض الدقائق، نظروا له نظرة من يرونه مجنون أو بائع، وفي خضم ذلك التجاهل واللامبالة، اخرج سيفاو رسالته وقال بصوت عالي: إن استطيع أن اقدم لكم خريطة لـِ اعظم كنز في هذا العالم! سمع بعض الضحكات المكبوته، فأخرج من حقيبته قطعة من الزجاج ووضعها في وجه الشمس وقد اخدت في اللمعان، اعتقد الجميع بأنها معدن ما! فقال: لماذا ترحلون ومازال في الأرض ماء والشمس في السماء؟ إن الكنز الحقيقي هو الأرض التي تركها لنا اجدادنا! يجب أن تعلموا بأن المسروق يلام في سرقته! اعطوا لهذه الأرض كما يعطي الريحان عبيره العطر في ذلك الوادي، في تلك اللحظة جاء رجل من خلفه ودفعه قائلاً له: لا نملك وقت لهلوسات شمس الصيف. قام سيفاو وغادر المكان في صمت وعندما نظر إلى حقيبته وجد «ؤراو» التراب قد نثرته الرياح ناحية الشرق والغرب وكأنه غبار البيوت المهجورة.

اكمل مسيرته نحو بلد اموروالوش مؤمناً بأن الناس سيستمعون إلى رسالته التي لا تدعوا إلى إله أو ملك أو نبي، بل إلى الأرض والإنسان واللغة. وصل إلى سوق شعبي مليء بالأواني والمطاعم، لاحظ عند كل ناصية تمثال صغير! وكان الناس ينحنون عند المرور بجانبه، فسأل احد المارة: ما هذا؟ فابتعد عنه ولم يحاول حتى النظر إليه، اقترب من احد التماثيل وقد وجد كتابة نُقشت عليه كُتب فيها: المملكة الشريفة المقدسة، احس سيفاو بالخوف عند قراءته هذه الكلمات وشعر بأنها كانت سبباً للكثير من المأسي، اشتم فيها رائحة العنصرية وسقوط الإنسان وغياب المنطق ولكنه فكر في حل لإثارة العامة، فأخرج (اغانيب) واختط خطاً أسود يظهر للمارة وكأنه شق يحتضن هذا الملك!

ثم صرخ: أنظروا! إن الصنم يتشقق، قد تصدع بالأمطار والرياح والزمن، في لحظة تجمهر، بدأ الجميع يرمون الحجارة ولم تنقضي إلا دقائق وقد تحول الصنم إلى «هشيم» متناثر يسد الطريق، عندها قرر أن يصعد فوقه ويصدح: انتم لن تطووا أجنحتكم لكي تستطيعوا أن تدخلوا من القصور و لن تحنوا رؤوسكم لئلا تنطح السقف، انكم كجميع الناس تقفون في أشعة الشمس ولكنكم كنتم تولون الشمس ظهوركم!

ولكن بعدها جاءت مجموعة من الرجال والنساء تبكي وتصرخ خوفاً وهلعاً كأنها نهاية العالم، بدأو في جمع تلك الحجارة ، هرب المتمردون البسطاء، واكمل العبيد البناء! كانت النتيجة قبيحاً، مليئاً بالشقوق والفراغات، في عتمة الليل قرر سيفاو الرحيل وقد ترك رسالة علقها بغصن ارگان في انف ذلك الصنم كتب فيها: إنكم تستطيعون أن تخمدوا صوت الطبل و تحلوا أوتار القيثارة ولكن مَن مِن أبناء الانسان يستطيع أن يمنع «اسمايون» السماء عن الغناء؟

بقلم : مهند بنّانة

*تانّيت ربة الخصوبة والحياة في اسطورة الخلق نسجت العالم.
*هرقل الذي اكتشف سر قوة البطل الإفريقي انتّي في امه الأرض.
*مستوحى من كتاب النبي لـِ جبران خليل جبران

التعليقات

تعليق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *