ضرورة إلغاء مادة التربية الإسلامية


” لسنا وحيدين في هذا العالم و لن نكون كذلك أبدا”

مقدمة

إن كلمة ضرورة لم تأتي بصورة اعتباطية، بل هي تعبر عن ضرورة حقيقية! وليست من قبيل المبالغة أو التضخيم، بل هي وكما قلت ضرورة يجب الاعتراف بها والعمل على تنفيذها، وتدعمها كلمة “إلغاء” دون التفكير في “التعديل” أو “إعادة المراجعة” فهذه الأدوات فقدت معناها وسحرها المزعوم، لأن الكيان بأكمله يحتاج إلى الإلغاء واستبداله بكيان أخر يتماشى مع الزمان وتغير ظروف المكان بل ووجوب تغير ظروف المكان سواء كانت تعليمية/إعلامية أو اقتصادية/اجتماعية. وبطبيعة الحال فهذه المادة “التربية الإسلامية” ومادة “اللغة العربية” ولكن في هذا المقال سكنتفيبالتربية الإسلامية!

ماهية هذه المادة؟

هي مادة التي تُدرّس للطالب العربي والأمازيغي (الناطق بأي لغة) والكردستاني في كل أرجاء تامزغا (شمال إفريقيا) والشرق الأوسط، وتبدأ معه منذ الفترة الابتدائية مروراً بالفترة الثانوية، ثم تدرس كتخصص يختلف أسمه من دولة إلى أخرى ولكن في الأغلب تسمى شعبة الدراسات الإسلامية، تختلف محتويات هذه المادة من دولة إلى أخرى ولكن تحديدها بصورة عامة في مجموعة من الدروس الأساسية، الغرض منها كما هو موضح هو تربية الأطفال تربية إسلامية اي محاولة لنقل إسلامه من الوراثي إلى الإسلام الإقناعي/التلقيني، ولكن هذا الإسلام الإقناعي يأتي من طرف واحد فقط، وبصورة تحفيظية خالية من الجدل/النقد وبالتأكيد خالية من تصور فكري/إنساني واقعي لبداية الدين عامة وكيف تطور وما هي مراحله تطوره، ويتم تقديم الإسلام كأخر نسخة دينية صحيحة من الله، وبأنه الدين الوحيد الكامل والمقدس في التاريخ قديماً والآن ومستقبلاً، بدون إعطاء أي فرصة للنقاش أو التساؤلات. فلا يمكن التشكيك فيما يقوله الأستاذ، ولك فقط هز الرأس والتكرار، وهذا يعتبر نوع من ملء الدماغ. وهذا في ضل غياب الوسائل العقلية الكافية للتفكير المنهجي أو البحث في حقيقة ومصادر ما ينقل لهم.

تاريخ الإسلام

إن مادة التاريخ الإسلامي تشكل جزء مهماً وأساسياً من التربية الإسلامية وهي البداية للكثير من المغالطات والتحريفات المقصودة لتصويره تصور مغاير لحقيقته، فهي تصوره وكأنه تاريخ مثالي يمثل فيه المسلمون الخير و”الكفار” الشر، وهؤلاء المسلمون مدعمون من الله والملائكة ويملكون كل الحق في كل ما يفعلونه، و”الكفار” مجموعة من الأشرار الذين يحاربون مشيئة الله على الأرض، ويعبدون الأصنام والأصنام عبارة عن مجموعة من الأحجار! يمكن التأكيد بأن التاريخ الإسلامي لا يلتزم بأبسط مبادئ التاريخ وهو إبعاد الخرافة (الأسطورة) وفصلها عن الوقائع والأحداث الناتجة عنها، فالتاريخ الإسلامي يبدأ بولادة محمد وربطها بقصة “عام الفيل” ومحاولة أبراها الحبشي تهديم الكعبة ومجيء طيور من السماء لترمي الفيلة بالحجارة! ثم تبدأ الأحداث مع خروج الملاك جبريل له في المغار وإعلانه رسولاً لله، وبقاءه في مكة ثلاثة عشر عاماً محاولا نشر الدين الجديد (معلومة يهملها التاريخ الإسلامي!) وبعدها قرر مغادرة مكة إلى يثرب ومن هنا بدأت قصة الإسلام مع عدة حروب بين قبائل الأوس والخزرج وقبيلة قريش وحلفائها وانتهت بانتصار محمد ودخوله مكة وبداية عصر الدولة الإسلامية، ثم وفاته الغامضة وانتقال الحكم إلى صديقه ابوبكر الصديق ثم عمر الخطاب وعثمان بن عفان وكلهم قد قتلوا او اغتيلوا او سمموا، ثم حرب علي ومعاوية على الخلافة، وقتل معاوية لعائلة علي للوصول للحكم وتأسيس الدولة الأموية مروراً بالغزوات والحروب التوسعية لنشر سلطة الخلافة (الإسلام السياسي الإمبريالي) والكثير من الأحداث الأخرى التي لا طائل من ذكرها الآن! ولكن هذا التاريخ الإنساني الطبيعي جداً المليء بشهوة السلطة والاحتلال والتوسع وشهوة الثروة والاستعباد! لا يُذكر إطلاقاً، في المقابل فالقصة الرسمية/ التعليمية هي القصة السنية (المالكية والحنبلية في الأغلب) المعروفة عن تدخل اليهود والخوارج والمنافقين في إحداث بعض القلاقل والفتن هنا وهناك، وبأن صحابة الرسول رجال أخيار أتقياء مبشرون بالجنة، وكهنة المسجد لحومهم مسمومة ولا يجوز الطعن فيهم، ويملكون حصانة توازي حصانة الرسول والله!

لا تجد كتب التاريخ الإسلامية تدخل في تفاصيل حياة الرسول محمد قبل الدعوة المحمدية وتأثير اليهودية والمسيحية والثقافة العربية فيها، وما هي أسباب تكون المذاهب الإسلامية وما هي الفروق بينها ولماذا خرجت الفرق التي سُميت بالخوارج؟ ولماذا انحطت الدولة الإسلامية في عهد الأشاعرة ولماذا ازدهرت في عهد المعتزلة؟ وهل السلفية حركة سلفية! وهل المسلمون القدماء كانوا فلاسفة تأثروا بالفلسفة اليونانية أكثر من كونهم تأثروا بالقرآن والثقافة البدوية؟ وغيرها من التساؤلات التي يجب أن يحملها الطالب في مخيلته لتساعده على فهم ما حصل ولماذا بكل واقعية وتدرجية فكرية إنسانية طبيعية، بعيداً عن المثاليات الكرتونية والأساطير المقدسة التي لا يقبلها العقل/العلم الحديث. إننا نعلمهم بأن الإنسان خُلق من طين وهذا يتنافى مع نظرية التطور! التي تعتبر اليوم حقيقة علمية، نعلمهم بأن الإنسان كان في الجنة ولكن حواء/المرأة اغوته بأكل التفاح! وهذه ليست إلا أسطورة شعبية أختلقها الرجل لتحقير المرأة وتبرير سلطته في القبيلة!

الخلاصة التي يجب قولها هي بأن التاريخ الإسلامي ملئ بالأكاذيب (مثله مثل غيره) ويعمل على نشر الكراهية والعنصرية والطبقية. فمبدأ المسلم الناجي والغير مسلم الكافر، الذي يصنف الناس وفق دينهم ومذابهم، مبدأ الرسالة المحفوظة والكتب المحرفة لا يخلق بداخل الإنسان إلا احتقار الأخر والتفرقة اتجاهه ولا يمكن أن تكون هذه المبادئ قاعدة لأي نوع من التعايش الإنساني الحقيقي، بل ولا يمكن أن تكون مباديء ذات مصدر إلهي (فوق بشري)! بعيداً عن تلك المهازل الإعلامية عن التعايش والتي لا تتجاوز بعض الندوات والكتب والمقالات هنا وهناك، لكن الواقع على الأرض يجعل من المسلمين أكثر الشعوب انعزالية وعنصرية في التاريخ المعاصر، وقنبلة موقوته وهذا سيؤذي في نهاية المطاف لعودة التعصبالمسيحية وغيرها من المأسي!

متفرقات

يعتبر توضيح وشرح أركان الإسلام جزء مهم ويجب عدم التخلي عنه! لأنه يوضح ما هي هذه الأركان وما هو الغرض منها، وتمثل أركان الإسلام جزء من أركان الديانات الإبراهيمية/ الأساطير السامية والتي يجب توضيحها وشرحها في قالب واحد (كتاب) يتطرق إلى المسيحية والإسلام واليهودية والهندوسية والبوذية والطاوية (الصينية) وباقي الديانات على اختلاف منشأها.

مع سرد قصص ما يسمى بالرسل وبعض الأنبياء المذكورة قصصهم في القرآن وسرد الآيات القرآنية (مع عدم توضيح أسباب نزولها في بعض الأحيان) وذكر بعض المذاهب الإسلامية (ليس في كل المناهج) نرى الكثير من التحيز لمذهب على حساب مذهب أخر، فأغلب هذه المذاهب تبجل المذهب السني وتشوه المذهب الشيعي وتصوره على أنه صنيعة اليهود والمجوس! وبأنه مليء بالوثنية والفجور وغيرها من الاتهامات!

لماذا الآن؟

لأننا في مطلع القرن الحادي والعشرين، وهناك فكر جديد يغزوا عالمنا، وهو الفكر الإنساني، الذي عاش عصور حتى وصل إلى هذا المستوى الجيد، بعيداً عن التعصب القومي (الفاشية، النازية، العروبة) والديني والمذهبي، بعيداً عن التوجه الاستعماري أو العولمي (الاحتوائي) والغزو الثقافي وغيرها من الأيدلوجيات التخريبية الطاباوية (المثالية) من قبيل الماركسية الأفلاطونية.

إننا في بداية عصر يحاول الخروج من كل أفكاره القبلية، تلك الأفكار الأحادية والانطباعية التي دائماً ما تبحث عن الأعداء والمنافسين والمتربصين، الأيديولوجية التي بنيت على قاعدة المؤامرة والحقيقة المزيفة والصراع الأبدي، والدين ليس استثناء من كل هذه الأدوات، فالدين الإسلامي كما نرى اليوم تحول إلى جماعات متطرفة تمهد الطريق لأحزاب التي تخدر المجتمع (الإخوان المسلمين، السلفية) وكلها تسعى للسلطة بشعاراتها الفضفاضة، والتي ثبت فشلها في أول اختبار حكومي في دولة ما! لأن هذه الأحزاب تعتمد على العاطفة واستغلال الدين وليس على مشاريع تنموية/اجتماعية فعلية، هؤلاء نتاج هذه المنظومة التعليمية التي صورت الدين في صورة أخرى، فالدين لم يأتي ليحكم الأرض إلى نهاية العالم، الدين جاء في فترة لم يكن هناك قانون أو نظام تعدد السلطات أو منظومة دستورية، الدين والفلسفة والأيديولوجية جزء من مسيرة الفكر الإنساني، ولا يمكن خلطها، فكل شيء ينتمي للمرحلة ما، فالفلسفة قديماً التي كانت تتناول الجغرافيا والرياضيات وغيرها من العلوم لم تعد كذلك اليوم! في وجود العلم واعتماده على التجريبية والنتائج المادية، لم يعد رجل الدين يعالج الناس، ولم يعد يقتل المثليين جنسياً في الشوارع ولم يعد يشنق السود في الساحات ولم يعد يقتل العبيد بعضهم البعض لإمتاع الجمهور الروماني! فالعالم يتغير ولا يمكننا أن نعيش بهذه الطريقة المزرية، فاليوم هناك عشرات الوسائل لإيصال المعلومة عبر أي دين، ولم تعد الزاوية هي الحامي الفعلي لإسلام أو غيره، كما كان في الماضي.

سأعطي مثال بعيد عن الموضوع يوضح بأن سلطة القمع التي تحمي الإسلام لا يمكن أن تنجح، فمثلا ستين عاماً من التعريب الإعلامي والتعليمي في شمال إفريقيا ومازال الأمازيغ يدافعون عن هويتهم وثقافتهم ولغتهم لأن الأفكار لا تموت بالقمع! والدين لا يعيش بالفرض، مهما عاش فهذا لا يعني بأن سيبقى دائماً كذلك، سيأتي يوماً وسيفتح أحدهم النافذة وسيكتشف الجميع مدى هشاشته لأنه لم يتعرض يوماً للرياح أو العوامل الجوية التي ستختبر مناعته مرة وإلى الأبد! فالدين الإسلامي في هذه البلدان يعيش حجر صحي خوفاً من نظرية التطور ومبادئ الحرية الشخصية والتعددية والحق في الاختلاف والرأي والتدين، الحق في تغيير الدين أو عدم الاعتقاد به، هذه المبادئ تخيف هؤلاء، لأنه في داخلهم يعلمون كم هي هذه الديانات ضعيفة، وإلا لما كل هذا الخوف في ضل وجود ذلك الإيمان المفترض؟

ما هي المادة البديلة لها؟

المادة البديلة من وجهة نظري هي مادة نسميها (الفكر الإنساني) وتنقسم إلى أربعة أقسام، يعالج القسم الأول فكرة الدين وبدايته، كيف تطورت ومراحل هذه التطور وأسبابها، ويربط بين الديانات وعلاقتها بنفسية الإنسان ونظرة إلى ذاته وإلى العالم، يجب أن يعالج في مرحلة أولية من حياة الطالب حقيقة الدين، وبأنه ليس إلا جزء من تفكيرنا وأحلامنا وتساؤلاتنا في حق الحياة والموت وهذا الكون وظواهره الطبيعية، ثم ينتقل القسم الثاني إلى مستوى أخر وهو الفلسفة، كيف بدأت وعلاقتها بالدين، وإعطاء الأمثلة عن ذلك من قبيل علاقة الإلهة اليونانية ببزوغ الفلسفة اليونانية أو علاقة المعتزلة بالفلسفة الأفلاطونية وغيرها من الأمثلة على مستوى العالم، وتطور الفلسفة ومناهجه ورموزها ومواضيعها الأساسية، ثم نأتي على القسم الثالث والذي سيشرح فيه بداية الأيدلوجية (المنظومة الفكرية) وأفضل الأمثلة هي الماركسية والرأسمالية، ولماذا ظهرت وما وجه الشبه بين الدين والفلسفة والأيديولوجية، ويأتي الكتاب الأخير بعنوان “ما بعد الأيديولوجية” ويحاول فيه المؤلفون شرح بداية التوجه العلماني/الليبرالي الإنساني الغير موجه أو منسوخ، ذلك التوجه الذي يسعى لسعادة الإنسان وتطوره وحماية بيئته وسلمه الروحي والثقافي وغيره، يعالج فكر إنساني لم يكتمل بعد، تصور ربما يولد في الأفق، حتى يصل الطالب إلى قناعة بأن الإنسان قد خاض ملايين الحروب الفكرية ليصل إلى بذور هذه الإنسانية المنشودة، والتي يجب أن يعمل على الدفع بها إلى الإمام في سبيل مصلحة البشر والكوكب! وهذه ستكون بداية تغيير شمال إفريقيا.

التعليقات

تعليق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *