فرنسا المعلم الأول للعروبة


يقول روم لاندو (كولونيالي فرنسي) في كتابه أزمة المغرب الأقصى بأن “البربرية ليست لغة ثقافة” ويضيف مؤلف كتاب الليبيون الشرقيون إريك بيتس بأنها (الأمازيغية) ” لم تستعمل قط الأغراض أدبية” أما عثمان الكعاك (كولونيالي عربي) مؤلف كتاب المجتمع التونسي في عهد الأغالبة فيرى بأن (الأمازيغية) ” لها طنطنة عند التلفظ بها تذهب لما للغات من جمال الرنة الموسيقية وعذوبة المسمع.. وهي قليلة المفردات، ضيقة النطاق في التعبير؛ لأنها لم تكن لغةي أدب أو علم” ويقول الطبيب فالو في رسالة إلى والي الجزائرعام 1948 بأن “بلاد المغرب، قد أخدت منذ الاف السنين قبل التاريخ تلك الصفة التي تحكم عليها في أن لا تبدع من صلبها حضارة أصيلة … ” ويضيف الفرنسي هانوتو بأنه “يجب علينا ألا ننتظر العثور عندهم (الأمازيغ) ولو من بعيد على أدب يذكرنا بأدب الأمم المتحضرة (..) ويشكل النساء العدد الأكبر المنتج لهذا الأدب البدائي” ويسانده حسن حسني عبد الوهاب في كتابه ورقات حيث يقول بأنه “مهما تتبع الباحث رسوم الحضارة، والمجتمع البربري؛ الذي يقطن شمال إفريقية من قديم الزمان فإنه لا يجد للفنون الجميلة ومنها الموسيقى أدنى أثر يذكر؛ وغاية ما يقال أن الأهالي الأصليين كانوا يتغنون ببعض ألحان ساذجة بسيطة” وعلى نفس المنوال يقول أحمد مختار عمر عام 1971 بأن “متكلمي البربرية لم يكونوا قد وصلوا إلى درجة من الحضارة تمكنهم من تثبيت لغتهم في شكل أدب” في تجاهل لقيمة الأدب الشفوي قديماً في تشكيل الموروث الثقافي سواء كان على شكل قصصي أو قصائدي متعدد الأغراض ولا ننسى الحكم والأمثال ويجب الإشارة إلى معهد الموسيقى والتمثيل والنحت الذي انشأه الملك يوبا الثاني، بل ويقول عابد الجابري بأن “إن عملية التعريب الشاملة، يجب أن تستهدف (..) العمل على إماتة اللهجات المحلية البربرية” وهذا نفس ما قاله دمال وبرونو اتيان عام 1999 في كتاب “اليعقوبية الأصولية” “بأن إنحدار اللغات الجهوية في فرنسا كان قد انطلق أيام الثورة على يد اليعقوبيين لمسح ما سموه باللهجات” ويقول الجغرافي اللاتيني بومبونيوس بأن “سكان شمال إفريقيا منذ اعمدة هيركل، تبنوا في كل شيء عاداتنا وتقاليدنا، بإستثناء ثلة احتفظت بلغتها البذائية” وهذا ما يتردد صداه في معلمة المغرب (ص 1130-1134) بأن “التعريب (كان) يجري بصورة طبيعية على يد تلك الدول البربرية، بدون ضغط ولا إكراه، (..) بل إنها كانت تشعر يومئذ بأنها تقوم بواجب مقدس: خدمة الدين عن طريق تعليم لغة القران” ويضيف أحمد مختار (1971) بأن ” تم تعريب البلاد نهائيا، وظهرت الغلبة للعنصر العربي، وحدثت المصاهرة الكاملة والامتزاج التام بين البربر والعرب في معظم انحاء ليبيا واختفت اللغة البربرية.” ويمكن قراءة الكثير من الشطحات الإستعمارية العروبية/ الفرنسية عند كتابات غوتيه Applegate وعثمان سعدي وعلال الفاسي وفهمي خشيم والقائمة تطول.

إن تشابه بين الإنطباعات الفرنسية والعربية وهذا ليس من محض الصدف! بل تزامن (synchronisation) يرجع لإشتراكهم في الطباع الإمبريالية مهما اختلف الزمان والمكان، وعليه فإن ما طبقته الأنظمة العروبية في شمال إفريقيا طيلة ستين عام ليس إلا إستمرار لـِ الأيديولوجيا اليعقوبية الفرنسية:

1- غياب الحقوق السياسية لـِ الأمازيغ (تعامل فرنسا مع حزب الإستقلال الشورى في اموراكوش وجمعية العلماء المسلمين في ادزاير)

2- غياب الحقوق الثقافية/التعليمية لـِ الأمازيغ: مطالبة حزب الإستقلال والشورى في اموراكش بتعريب التعليم وكان من مطالب منظمة شمال إفريقيا “كل المعاملات يجب لها أن تكون باللغتين العربية و الفرنسية”

3- نزع وإستغلال الأراضي لـِ الشركات الكبرى وقتل الإقتصاد المحلي (تقسيم موراكوش إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع) والإستمرار إلى يومنا هذا بالعمل بالقوانين الفرنسية في المملكة العلوية.

4- خلق مدن مركزية لـِ الصهر الثقافي لخلق هوية مزيفة (البربر ثم الأهالي ثم المغاربة)

6- القمع المسلح (قمع الريف على يد الأمبريالية الأوروبية بمساعدة العلويين ثم قمعها على يد حزب الإستقلال)

7- تغيير الأسماء، إمشدالن اصبحت مشيد يلاه و ايت ملال اصبحت بني ملال! وتغيير الألقاب فتحولت ايت دوالا إلى بني دوالا، وفي أسماء الأماكن: تعريب اسيف إلى الواد وقد غيرت ايضاً اسماء القبائل مثل جراوة التي اصبحت جار الله، ايت جليلي اصبحت ال شاكر! و إحد وشن إلى بشير الشريف، وقام العروبيون بنفس الشيء، فأصبحت اژيلا: اصيلا وتطّاوين: تطوان، ومازاغان: الجديدة وامتغران: الرشيدية ودارار ئنفوسن: الجبل الغربي، وايت انصار: بني الأنصار، وتاراقلات: محاميد الغزلان، واسقيف ن طمانا: عين الحمام!

8- فرض خرافات الأجداد الغاليون في مقابل الأجداد اليمنيون، أسطورة الأصل الأوروبي لـِ الأمازيغ في مقابل أسطورة الأصل العربي

9- تشجيع التنصير (وإن لم تدعم الدولة الفرنسية المشروع) في مقابل محاولة إعادة اسلمة (الأسلفة)

11- خلق عراقيل قانونية (قانون الأهالي) في مقابل قانون الأحوال المدنية.

12- منع انشاء مؤسسات فكرية/صحفية مستقلة وبدون رقابة لعرقلة أي تحرر اجتماعي.

13- النفي والإغتيال والتهديد لكل الأشخاص الذين يحاولون فضح أشكال الفساد والتجهيل (إغتيال فرنسا لمولود فرعون أحد مؤسسي الحركة الأمازيغية والإسلاميين لمعتوب لوناس والعروبيين لبوجمعة هبّاز)

14- نادت فرنسا وعملت على سياسة “الإدماج” وهي نفس السياسية التي ينتهجها العروبيون في تلطيف لمفهوم “التعريب”

15 التحقير من الأمازيغ فالكتّاب الفرنسيين ادعوا بأنهم تعلموا الزراعة وتربية الحيوانات والتجارة من الفنيقيين! في المقابل ادعى العرب بأنهم كانوا بربر وثنيين يعيشون في الكهوف يعبدون التيس وقد حرروهم من بيزنطه! ولهذا فهم يشتركان في تزوير تاريخنا بكل الوسائل.

16- مارست فرنسا سياسة فرق تسد بين الأمازيغ الناطقين والغير ناطقين على أساس تفضيل القبلية والجهوية على الحس الوطني في المقابل عمل ومازال يعمل العروبيون المغرب بسياسة فرق تسد بين امازيغ الريف وسوس كمثال.

17- كانت فرنسا تتهم الكتّاب الذين يعارضون سياستها بـِ “تهديد سلامة أمن الدولة” واليوم يتهم العروبيون الكتّاب الأمازيغ ب”تهديد الوحدة الوطنية”

18- اللغة هي أساس الهوية، وهي أساس الأيدولوجيا اليعقوبية وهي بأن الهوية الفرنسية تعتمد على وحدة اللغة وليس على أساس تاريخ أو هوية أو أصل مشترك، وهي نفس الفكرة التي تبناها ساطع الحصري ومن بعده شكيب ارسلان ومصالي الحاج بأن اللغة العربية هي أساس القومية العربية الجديدة.

في النهاية يجب الإشارة بأن العروبيون هم فئة من المجتمع ذات اصولة عرقية أمازيغية ولكنها ذات توجه ايديولوجي عروبي مستمد من افكار ميشيل عفلق وقسطنطين زريق وغيرهم، ولا علاقة لهم بفئات الشعب الذي يتعرب ويتفرنس وفق الظروف الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.

بقلم : مهند بنّانة

التعليقات

تعليق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *