فلسفة الهوية


فلسفة التاريخ تُعنى بالشمولية وتحاول قراءة التاريخ وفق ظروف في أغلبها سياسية، فنجد فلسفة التاريخ عند هيغل ترتبط بعصرها كما هي فلسفة التاريخ عند ماركس، وقد ناقضت نفسها عندما ادّعت الشمولية أو سقطت مرة اخرى في فخ التاريخ، والذي دائماً يكسر ما كنا نعتقد بأنه منهج علمي أو نوع من التنبؤ!

مفهوم الهوية يجعلني اقف عند الخلط الكبير الدائر بينها وبين الثقافة واللغة والحضارة والسلطة والدين والأيديولوجيا والسياسة وغيرها من المفاهيم، ربما لطبيعتها المتشابكة مع هذه المفاهيم، ولكن المرجح هو قصد التشويش من أجل التشويش! وكأنه إرجاء لهذا النقاش، وهو ما يعتبر هروب إلى الأمام. إعادة قراءة مفهوم الهوية يحيل تلقائياً إلى الإنتماء والوطن والذات والأخر وغيرها من المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والفكرية.

انتقلت الحركة الأمازيغية منذ منتصف الستينات من إعادة قراءة الثقافة الوطنية والتلميح بأن الأمازيغية ثقافة وطنية! إلى دراسة أسباب غياب الثقافة الأمازيغية وعلاقتها بالسياسي والإجتماعي والإقتصادي، وهكذا بدأت الحركة تدخل مجالات أخرى، وبدأت تطرح مفاهيم جديدة/قديمة من قبيل التعددية والإختلاف وحقوق الإنسان ورد المظالم حتى وصلت الحركة إلى مستوى متقدم يعتمد على النقد والكثير من مفاهيم بعد الحداثة، فأصبح رموز هذه الحركة من أشد نقّاد الخطاب الإسلامي والماركسي-الشيوعي والمحافظ (التقليديين) وحملت الحركة وبجدارة شعلة العلمانية والليبرالية ولكن إنطلاقاً من جذورها التاريخية الملحية وعالجت التابوهات وكانت بالفعل حركة ثورية لأنها ثارت على المسلمات والبديهيات المفترضة التي روج لها النظام تعليمياً وإعلامياً، ولكن عانت الحركة فيما بعد من التجمد والإنكماش كان سببه إختزالها في البعد الثقافي والخوف من المعالجة السياسية والتي كانت تشير ضمنياً إلى المس بسلطة الملك والقائد والجنرال! ولكن الحركة وفي نطاق سيرورة تاريخية حتمية وجدت نفسها في المعترك السياسي سواء بصورة مباشرة أو غيره مباشرة وأعتقد بأن السنوات القادمة ستشهد تطورات ستجعل من الحركة تدخل جميع الساحات وبقوة، لأنها تحشد الشباب وكل العقول الفتية التي تؤمن بالمستقبل، حيث الأرض والإنسان والهوية، بدون أحادية أو تعصب أو فكر قومي/ديني جائر، الحركة اليوم تعيش مرحلة تمدد المفهوم وقد وضعت نفسها محل الفاعل في المجالات التنموية والإجتماعية باعتبار أن الإنسان وكل متعلقاته هي القضية المحورية.

إن الحديث عن الأمازيغية كلغة وثقافة وهوية بدون الحديث عن التعليم والإعلام والدولة (النظام) هو حديث لا وزن له، ويمكن وصفه بأنه بلا قيمة! ويمكن الإضافة بأن الدفاع عن الأمازيغية من أجل الأمازيغية هو عبث رومانسي لا طائل منه (مثالية) لأن هذه الأمازيغية “الخالية من الهوية” الباردة لا يمكن أن تكون مشروع جماهيري يخدم المجتمع، وهذا ما يحلم به العروبيون أحفاد حرّاس سلطة الخلافة المشرقية التي تتغير مسمياتها فقط.

إن النمو الاقتصادي يرتبط ارتباطا وثيق بحقيقة هذا الإنسان، من هو؟ من هو بالفعل! بعيداً عن الطبقات الهشة التي وضعتها المناهج الإستهلاكية والخطابات التي تعيد إنتاج الماضي: يجب أن تبدأ التنمية من الدخل إلى الخارج وليس العكس! يجب أن يعرف الإنسان قيمته قبل أن يعرف قيمة الأرض التي يقف عليها، يجب أن نحدد مفهوم الهوية الوطنية قبل تحديد أي مفهوم أخر لأن تحديده سيزيل الكثير من الضبابية، وسنعرف حقيقة تاريخنا وأسباب فشلنا ومكاننا في جغرافيا الوجود!

الأمازيغية ليست قومية بالمفهوم العربي سواء كان عرقي أو إمبريالي فهذا الفكر قد مات برفقة الفكر الديني السلطوي، فهي هوية هذه الأرض، مهما اختلف الوافدون، مهما اختلفت الديانات والمصالح والظروف الثقافية والاجتماعية، مهما تكلم الأمازيغ بالبونية أو اليونانية أو اللاتينية، مهما دافعوا عن المسيحية أو الإسلام، مهما حاربوا وضحوا في سبيل تلك المملكة أو ذلك الزعيم، كلها أحداث تندرج تحت مسمى واحد “تاريخ تامازغا”

إن وجود الأمازيغية اليوم هو معيار لكل ما هو داخل هذا المجتمع من صحوة أو بحث عن الحقيقة أو تصحيح لمساره نحو الذات، إن فشل الأمازيغية في التعليم أو عدم وجودها أصلاً، هو فشل للمنظومة التعليمية بأكملها لأنها فشلت في تعليم أطفال هذه البلاد لغتهم الأم. إن فشلها في الإعلام العمومي أو شبه انعدامها هو فشل لهذه المؤسسة لأنها فشلت في إيصال صوت هؤلاء أو إيصال صوتها لهؤلاء بلغتهم الأم! إذاً فهي لا تمثلهم ويجب عليهم أن لا يمثلوها كذلك!

إن عدم وجودها في الإدارة والفضاء العمومي يضع الأمازيغفونيون غرباء عن وطنهم، كالمهاجرين، إن وجود دول تامازغا في منظمات تعرف بأسماء من قبيل جامعة الدول العربية أو إتحاد المغرب العربي هذا يؤكد بأن هؤلاء لا يفرقون بين عرب اللسان وعرب القومية (الثقافة والهوية والانتماء) إن الخلل في المفهوم ينتج عنه خلل في كل المنظومة، وهذا ينتج عنه خلل في عقلية المجتمع بأكمله! ولهذا فالأمازيغية هي المعيار الحقيقي فإذا وجدناها في دساتيرها وإعلامها وتعليمها وفضائها العمومي والثقافي، وسمعنا الوزراء يتكلمون باللغة العربية (لغة الدين) واللغة الأمازيغية (اللغة الأم) فهذا يعني بأن هذه الدول على الطريق الصحيح لاحترام نفسها واحترام حقيقتها.

وجود الأمازيغية معيار حقيقي لتطبيق مفهوم التعددية والتنوع داخل دول تامازغا في إطار إحترام وجود العربفونيون الذي يتبنون العربية ضمن ثقافتهم وهويتهم الأمازيغية. إن ثقافة هذه الأرض في الملبس والمأكل والعادات والتقاليد والمعمار والموسيقى والصناعات التقليدية والمعاملات والنظرة الأخر والمرأة (قبل متلازمة التشبّه الثقافي) والحرية الدينية وغيرها من المميزات التي تميز تامازغا كثقافة/هوية متوسطية/إفريكية عن العرب كثقافة وهوية مشرقية/أسيوية.

يجب أن يملك الأمازيغ مصيرهم، أن يملكوا أراضيهم ومصادرها الطبيعية من نفط ومعادن ومحاصيل وغيرها من الموارد البحرية والحيوانية. يجب أن نؤسس كونفيدراليات” في الريف وأطلس والجنوب الشرقي وسوس واوراس ولقبائل ومژاب وجربه وتطّاوين وزوارة ونفوسن والمناطق الأمازيغية في ازواد وجنوب الدزاير و واحة سيوه وجزر اكناري، وكل بقعة ذات روح أمازيغية وطنية!

يجب علينا التحرر الكامل، فـ لا وجود لتحررر جزئي في هذه الحياة، فالحرية مثل الموت! مرة واحدة وإلى الأبد. يجب أن نتحرر من سلطة الدولة القومية/الدينية (العربية/الإسلامية) ونتجه نحو الدولة التنظيمية التي تربط بين الأمازيغ ثقافياً واقتصاديا، دون حدود أو حكومات مركزية، دون أحزاب مصلحيه وحسابات إقليمية تضرنا وتستغلنا، يجب أن نتوحد في لغتنا مع الحفاظ على لهجاتنا، يجب أن نتعرف على بعضنا أكثر، فنياً وأدبياً وفكرياً. يجب أن نعمل من أجل تحديد مصالحنا ونقاط قوتنا، يجب أن نعود إلى واجهة التاريخ، سياسياً وفكرياً وثقافياً، يجب أن نزعزع المجتمع، ونلهم نسائه ورجاله، يجب أن يتحرك هذا المجتمع بعد سباته الطويل! الذي يعود إلى سقوط الممالك الأمازيغية نهاية القرن الرابع عشر! الذي يعود إلى تحالف العروبيون مع المستعمر الفرنسي والإسباني وتكريس ثقافة الأخر المشرقية/العربية عبر وسائل الإعلام والتعليم والفضاء العمومي والخطاب الرسمي. يجب علينا تحديد معطيات الواقع، تحديد أهدافنا القريبه والبعيدة، تحديد ما نملكه وما نريد أن نملكه! يجب علينا أن نعمل وفق مخططات مدروسة ومنطقية ذات بعد إنساني وتحرري، أن نكف عن الشعارات الفارغة، ونبدأ في تأسيس تجمعات للنقاش والتحضير للندوات و الاعتصامات وحتى العصيان إذا تطلب الأمر، والتعبئة في كل الأماكن الاجتماعية، ونشر المناشير إلكترونياً وفعلياً. ولكن قبل كل هذا، يجب علينا أن نؤمن! بأننا أصحاب قضية.

إن المحاولات البأسة التي يقوم بها العروبيين فوق أرض تامازغا لإيقاف الوعي بالذات وإستعادة الذاكرة الجماعية هي محاولات فاشلة مسبقاً! فهي ليست ضد الخطاب الأمازيغي بل هي ضد حركة التاريخ وحتمياته وكل نظريات ابن خلدون، هيغيل، وتوينبي في علم الإجتماع وفلسفة التاريخ، إن أعظم الإمبراطوريات قد سقطت وهي تحلم بالخلود، مهما بلغت الديكتاتورية من قوة ومهما بلغ التزوير من عمق ومهما بلغ الشعب من انحطاط ومهما بلغت الأرض من جفاف، في النهاية ستنتصر قوة الطبيعة التي تفترض المنطق! تجرف معها في نهاية كل عصر كل التجارب الشاذة إلى هاوية النسيان.

الكثير يؤمنون بعصمة وقدسية الدولة والحدود والنظام ولكنه إيمان فاسد لا يدوم طويلاً، حتى وإن دام قروناً! فما هي هذه القرون في عمر الإنسانية؟ الممتد منذ لاف السنين يخوض كل التجارب العظمية والمجرمة، يحمل معه سفره ملطخاً بدماء الشهداء والأرامل واليتامى، ملطخاً بدماء الجبل والصحراء والشواطيء، مزيلا في طريقه كل المعابد، كل الأفكار الهشة التي تستمد قوتها من التنويم وقلة الحيلة! نحن الأمازيغ سننفذ إرادة التاريخ.

إن التغيير سُنة الحياة، وثبات نظام فكري معين بدون اي حس نقدي او مراجعة شيء مستحيل ولم يحدث بعد! وإن طال عمره، فالديانة المصرية عاشت ثلاثه الاف سنة تبني الأهرامات والمعابد ولكنها في النهاية سقطت بعد ان اصابتها الشيخوخة وقد تكون اليهودية وليدة لسقوطها، إن سقوط الأفكار دائماً يواكبه صعود بدائل اخرى، مضادة لها او كمحاولة لإحيائها، لكن الفكر العروبي ليس من النوع الثاني، فهو مازال يردد نفس الشعارات التي تخالف أبسط الحقائق التاريخية والجغرافية بل والأخلاقية! مازال قاصر في نظرته للإنسان والتعددية والمساوة، هذه الصفات قد جعلته ينتج أعثى المجرمين نذكر منهم هواري بومدين، صدام حسين، الأسد الإب والإبن! معمر القذافي، هؤلاء جمعياً يشتركون في هذا الفكر الطاباوي الذي اوصل شعوبها إلى الحروب والدمار والتشتت.

العروبيون يحاولون فهم أسباب بروز الصوت الأمازيغي بين ركام مخططاتهم التخريبية للعقل والروح، ولكن محاولة الفهم هي محاولة لمحاكمة التاريخ! فلا وجود لمنطق في بروز الخطاب الأمازيغي في ضل الحصار السياسي والديني والإعلامي والتعليمي، حتى الإنتعاش النسبي لـِ اللغة الأمازيغية لا يمكن تبريره! فكل النظريات اللغوية تربط الكلمات بصورة ذهنية وكل النظريات تبين أهمية السوق اللغوية في إصطفاء اللغة وفق قيمتها الإقتصادية والإجتماعية والأخراوية، ولكن الأمازيغ الجدد يعيدون إحياء لغتهم بكلمات لا تربطها اي صور ذهنية! يستمعون إلى أغاني من كل بلدان تامازغا رغم صعوبة أو عدم الفهم، التبرير الوحيد هو حركة التاريخ وإرتداد الجوهر إلى الذات وإعادة بناء ستبرز خطوط وطنية جديدة لم تظهر يوماً، فالأمازيغ شعب جديد! وليسوا شعب حجري يحاول أن يعود إلى واجهة التاريخ، جديد في مفهومه للوطن والهوية واللغة والدين والمستقبل.

الأمازيغية جاءت كرد فعل على فشل المشروع العروبي المستورد والمشروع السني/السلفي الذي قتل روح الإبداع والإجتهاد، الأمازيغية مطلب في فعاليته وليس مطلب في ذاته، فهي خطاب علماني في تراثه وإنساني في نظرته إلى الهوية والنسبية بين الشعوب والحضارات، فيمكن القول بأنها الوحيدة القادرة على استلام زمام المبادرة في المنطقة، لأنها حركة وطنية لا تتنكر للغتها وثقافتها وحقيقتها.

قد يرى البعض بأن في الكلام اسفاف ومغالاة، ولكن هل وجدت حركة فوق تامازغا تنادي بهويتها! فهؤلاء العروبيون بحثوا بعيداً والسلفيين بحثوا بين الغيوم عن فكر يصلح من حالهم ولكنهم لم يحاولوا يوماً أن ينظروا تحت اقدامهم! أن يتأملوا الشعب البسيط، هذا الشعب الذي عانى بما فيه الكفاية من شذوذ في الهوية وهجرة وفساد أخلاقي واستغلال واقحام في حروب لا ناقة فيها ولا جمل، هذا الشعب الذي مورس في حقه كل التضليل والعبث بأسم البعث والنهضة وكل الشعارات الرنانة الفارغة: بإختصار، هذه هي فلسفتنا للهوية!

بقلم : مهند بنّانة

التعليقات

تعليق

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *